الشيخ محمد هادي معرفة
327
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
يَكْتُبُونَ » أي يعلمون . « 1 » * * * وقالوا في قوله تعالى : « وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ . كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ . الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ » : « 2 » كيف هذا التنظير ولاتناسب بين الكلامين ، ولاوجه شبه لهذا التشبيه ؟ ! وهكذا في قوله تعالى : « لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ . كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ » . « 3 » ما وجه هذا التشبيه ؟ وكذا قالوا في قوله تعالى : « وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ » . « 4 » الجواب : إنّ القرآن نزل على لسان العرب ، وفيه حذف وإيماء ، ووحي وإشارة . فقوله : « أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ » فيه حذف ، كأنّه قال : أنا النذير المبين عذابا ، مثل ما أنزل على المقتسمين . فحذف العذاب ، إذ كان الإنذار يدلّ عليه . كقوله في موضعٍ : « أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ » . « 5 » وأمّا قوله : « كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ » فإنّ المسلمين يوم بدر اختلفوا في الأنفال ، وجادل كثيرٌ منهم رسول اللّه صلى الله عليه وآله فيما فعله في الأنفال . فأنزل اللّه سبحانه : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ( يجعلها لمن يشاء ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ( أي فرّقوها بينكم على السواء ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ( فيما بعدُ ) إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » . « 6 » ثم يصف المؤمنين ، وبعده يقول : « كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ » . يعني : إنّ كراهتهم الآن في الغنائم ككراهتهم يومذاك في الخروج معك .
--> ( 1 ) - راجع : الصحاح للجوهري ، مادّة « كتب » ، ج 1 ، ص 208 . ( 2 ) - الحِجر 89 : 15 - 91 . ( 3 ) - الأنفال 4 : 8 و 5 . ( 4 ) - البقرة 150 : 2 و 151 . ( 5 ) - فصّلت 13 : 41 . ( 6 ) - الأنفال 1 : 8 .